ابراهيم بن عمر البقاعي

105

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما حث سبحانه على المكارم والأخلاق الزاكية ، وختم بالتذكير بالآيات والحكمة ، أتبعه ما لمن تلبس من أهل البيت بما يدعو إليه ذلك من صفات الكمال ، ولكنه ذكره على وجه يعم غيرهم من ذكر وأنثى مشاكلة لعموم الدعوة وشمول الرسالة ، فقال جوابا لقول النساء : يا رسول اللّه ! ذكر اللّه الرجال ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به ، إنا نخاف أن لا يقبل منا طاعة ، بادئا بالوصف الأول الأعم الأشهر من أوصاف أهل هذا الدين مؤكدا لأجل كثرة المنافقين المكذبين بمضمون هذا الخبر وغيرهم من المصارحين : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ ولما كان اختلاف النوع موجبا للعطف ، قال معلما بالتشريك في الحكم : وَالْمُسْلِماتِ . ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن يكون بالظاهر فقط ، أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية الإذعان ، فقال عاطفا له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو للدلالة على تمكن الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف منها : وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ولما كان المؤمن المسلم قد لا يكون في أعماله مخلصا قال : وَالْقانِتِينَ أي المخلصين في إيمانهم وإسلامهم وَالْقانِتاتِ ولما كان القنوت كما يطلق على الإخلاص المقتضي للمداومة قد يطلق على مطلق الطاعة قال : وَالصَّادِقِينَ في ذلك كله وَالصَّادِقاتِ أي في إخلاصهم في الطاعة ، وذلك يقتضي الدوام . ولما كان الصدق - وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو شيء يدنسه - قد لا يكون دائما ، قال مشيرا إلى أن ما لا يكون دائما لا يكون صدقا في الواقع : وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ ولما كان الصبر قد يكون سجية ، دل على صرفه إلى اللّه بقوله : وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ ولما كان الخشوع - وهو الخضوع والإخبات والسكون - لا يصح مع توفير المال فإنه سيكون إليه ، قال معلما إنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته : وَالْمُتَصَدِّقِينَ أي المنفقين أموالهم في رضي اللّه بغاية الجهد من نفوسهم بما أشار إليه إظهار التاء فرضا وتطوعا سرا وعلانية بما أرشد إليه الإظهار أيضا تصديقا لخشوعهم وَالْمُتَصَدِّقاتِ . ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار ، أتبعه ما يعين عليه فقال : وَالصَّائِمِينَ أي تطوعا للإيثار بالقوت وغير ذلك وَالصَّائِماتِ ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها ، قال : وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ أي عما لا يحل لهم بالصوم وما أثاره الصوم وَالْحافِظاتِ ولما كان حفظ الفروج وسائر الأعمال لا تكاد توجد إلا بالذكر . وهو الذي فيه المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة